اسماعيل بن محمد القونوي
266
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الوصول إلى مقام أعلى من مقامه وهو كذب يشبه النفاق وبقي في ظلمات دعاويه باطلة لا يبصر طريق الخلاص عنها وكذا طالب العلوم إذا ادعى مقاما أعلى من مقامه واستحقر صاحب المقامات العالية لظنه أعلى مقاما منه ( اذهب اللّه تعالى عنه ما أشرق عليه من أنوار الإرادة ) الاستكمال وبقي في ظلمة جهل مركب لا يرى طريق الخروج عنه وهذا غالب في طلاب زماننا أصلح اللّه تعالى حالنا وحالهم وأيضا يدخل فيه من رغب في حقائق لم يستعد للوقوف عليها فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالا بعيدا وهذا حاصل ما نقله المصنف عن بعض الصوفية في قصة المائدة وظني أن دخوله تحت عموم من آتاه اللّه ضربا من الهدى فأضاعه أظهر من دخول من صح له أحوال الإرادة الخ وحاصل ما ذكره المصنف في كون الآية مثلا الخ أنه تمثيل مركب شبه الهيئة بالهيئة ولم يعتبر تشبيه المفرد بالمفرد وإن أمكن ذلك والمعنى أنه شبه حصول الهدى في الجملة وإضاعته وحرمانه من النعيم الأبدي وبقاؤه متحيرا متحسرا لا يهتدي بالنور والإضاءة المطلوبة للمستوقد وزوالها بانطفائها بغتة وحرمانه مما يتوصل إليه بالإيقاد وبقائه متحسرا لا يرى الطريق المطلوب ووجه الشبه هو أنهم وقعوا في حيرة شديدة وخيبة عظيمة عقيب حصول قوة الرجاء إلى المقصود والمعنى . قوله : ( أو مثل لإيمانهم ) الأولى أو مثل لإقرارهم وهذا معطوف على قوله مثل ضربه الخ وهي حينئذ تشبيه مفرق لا تمثيل أخره لأن التمثيل راجح حسبما أمكن وإنه عام للمنافقين وغيرهم كما عرفته وهذا خاص بالمنافقين كذا قاله أكثر المحشيين ولا يخفى عليك أنه بعد اعتبار دلالة النص لا يظهر الفرق بين الوجهين في العموم ولعل لهذا قال مولانا خسرو أي تشبيه مخصوص بالمنافقين كما هو الظاهر . قوله : ( من حيث إنه يعود ) أي يرجع ( عليهم بحقن الدماء ) أي صيانتها والحقن في الأصل الجمع تقول حقنت الماء في الآنية إذا جمعته وأطلق هنا على الحفظ لأنه كأنك جمعت الدم في صاحبه ومنعته عن الجريان فهو مجاز صار حقيقة فيه بالغلبة ( وسلامة الأموال والأولاد ) والمعنى إنهم بإقرارهم كانوا سالمين عن ذلك فإنهم إذا لم يقروا فإن لم يقبلوا الجزية كانت دماؤهم هدرا وإن قبلوها كان مالهم غير سالم بإعطاء الجزية وقيل المراد الحقن والسلامة مآلا أيضا كما إذا ذهبوا إلى دار الحرب فاستولى عليها المسلمون وفيه تكلف . قوله : ( ومشاركة المسلمين في المغانم والاحكام بالنار الموقدة ) متعلق بقوله مثل اخره عن قوله من حيث لأنه أهم في التمثيل ولتعليله بقوله ( للاستضاءة ) ولأنه أمر مختص بالمشبه فذكر في جنبه كما أن الاستضاءة أمر قائم بالمشبه به والجامع المشترك بينهما الانتفاع مطلقا ولظهوره مما ذكره لم يذكره . قوله : ( ولذهاب أثره ) أي ومثل لذهاب أثره فهو عطف على قوله لإيمانهم الخ لا للاستضاءة ولو قال بالنار الموقدة المستضيئة لكان أبعد عن الاشتباه ( وانطماس نوره ) أثبت النور لإقرارهم لأنهم استضاؤوا به قليلا من الانتفاع وذلك الانطماس ( بإهلاكهم ) إما بسبب